السُّؤَالُ: هَلْ بَقِيَ الْمَسِيحُ لَـ(الـمَجْد)ـه ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَالٍ فِي القَبْرِ؟ كَمَا بَقِيَ يُونَانُ النَّبِيُّ فِي بَطْنِ الحُوتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَالٍ، كَمَا هُوَ مُذْكُورٌ فِي الإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ مَتَّى، وَفِي الإِصْحَاحِ الثَّانِي عَشَرَ، وَمِنْ الآيَةِ الثَّامِنَةِ وَالثَّلَاثِينَ وَلِغَايَةِ الآيَةِ الأَرْبَعِينَ. فَالآيَاتُ تَقُولُ: { ٣٨ حِينَئِذٍ أَجَابَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً». ٣٩ فَأَجابَ وَقَالَ لَهُمْ: «جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. ٤٠ لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال.} (الإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ مَتَّى ١٢: ٣٨-٤٠)؟
الإِجَابَةُ: عِنْدَمَا نُرِيدُ أَنْ نَفْهَمَ نَصًّا مَا، ذُكِرَ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ، فَيَجِبُ عَلَيْنَا مُرَاعَاةُ الخَلْفِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ لِلنَّصِّ مِنْ نَاحِيَةِ اللُّغَةِ وَالثَّقَافَةِ وَالقَوَانِينِ الَّتِي كَانَتْ سَائِدَةً فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، لِكَيْ نَفْهَمَ مَا هُوَ المَقْصُودُ مِنَ النَّصِّ بِالضَّبْطِ. وَبِمَا أَنَّ المَسِيحَ لَـ(الـمَجْد)ـه كَانَ رَجُلًا يَهُودِيًّا، وَكَلَامُهُ كَانَ مَعَ رِجَالِ الدِّينِ اليَهُودِ (الكَتَبَةِ وَالفَرِيسِيِّينَ) كَمَا هُوَ مُوضَحٌ فِي الآيَاتِ المَذْكُورَةِ أَعْلَاهُ، فَعَلَيْنَا إِذًا أَنْ نَعُودَ إِلَى اللُّغَةِ اليَهُودِيَّةِ وَإِلَى الثَّقَافَةِ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ سَائِدَةً فِي ذَلِكَ الحِينِ، لِكَيْ لَا يَكُونَ فَهْمُنَا لِلنَّصِّ خَطَأً.
فَلْنُفَسِّرِ الآنَ النَّصَّ حَسَبَ الْعُرْفِ الْيَهُودِيِّ: فَبِحَسَبِ التَّقْوِيمِ الْيَهُودِيِّ يَبْدَأُ يَوْمٌ جَدِيدٌ عِنْدَ تَمَامِ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ مَسَاءً وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى الْيَوْمِ التَّالِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ مَسَاءً. وَبِحَسَبِ التَّقْوِيمِ الْيَهُودِيِّ أَيْضًا كَانَ يُحْتَسَبُ أَيُّ جُزْءٍ مِنَ الْيَوْمِ وَكَأَنَّهُ يَوْمٌ كَامِلٌ (أَيْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً) حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ سَاعَةً وَاحِدَةً تُعْتَبَرُ يَوْمًا كَامِلًا عِنْدَهُمْ. فَالْمَسِيحُ لَـ(الـمَجْد)ـه مَاتَ وَأُنْزِلَ مِنَ الصَّلِيبِ وَقُبِرَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ.
فَمَعْنَى هَذَا كَانَتِ السَّاعَاتُ الثَّلَاثُ الْمُتَبَقِيَّةُ مِنْ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ لِغَايَةِ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ مَسَاءً مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ تُحْتَسَبُ يَوْمًا كَامِلًا حَسَبَ التَّقْوِيمِ الْيَهُودِيِّ. أَيْ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ. وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ مَسَاءً مِنْ نَفْسِ الْيَوْمِ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِغَايَةِ يَوْمِ السَّبْتِ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ مَسَاءً يُحْتَسَبُ يَوْمًا كَامِلًا، أَيْ يَوْمًا ثَانِيًا.
وَمِنْ يَوْمِ السَّبْتِ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ مَسَاءً لِغَايَةِ فَجْرِ يَوْمِ الْأَحَدِ الَّذِي قَامَ بِهِ الْمَسِيحُ لَـ(الـمَجْد)ـه مِنْ بَيْنِ الْأَمْوَاتِ (أَيْ هَذِهِ الْفَتْرَةُ مِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ مَسَاءً مِنْ يَوْمِ السَّبْتِ لِغَايَةِ فَجْرِ الْأَحَدِ) تُحْتَسَبُ أَيْضًا يَوْمًا كَامِلًا، أَيْ يَوْمًا ثَالِثًا، لِأَنَّهُ كَمَا ذَكَرْنَا سَابِقًا فَبِحَسَبِ التَّقْوِيمِ الْيَهُودِيِّ أَيُّ جُزْءٍ مِنَ الْيَوْمِ يُحْتَسَبُ يَوْمًا كَامِلًا.
وَمِنْ أَوْضَحِ الْآيَاتِ الَّتِي تُبَيِّنُ لَنَا بِأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يُحْتَسِبُونَ أَيَّ جُزْءٍ مِنَ الْيَوْمِ كَأَنَّهُ يَوْمٌ كَامِلٌ، نَجِدُهَا فِي قِصَّةِ أَسْتِيرَ مَعَ مَرْدُخَايَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، وَفِي سِفْرِ أَسْتِيرَ، وَفِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ، وَفِي الْآيَتَيْنِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ وَالسَّابِعَةَ عَشْرَةَ.
حَيْثُ نَرَى أَسْتِيرَ تَقُولُ لِمَرْدُخَايَ: "اذْهَبْ وَاجْمَعِ الْيَهُودَ فِي شُوشَنَ وَصُومُوا مِنْ أَجْلِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَيْلًا وَنَهَارًا"، وَقَالَتْ أَيْضًا إِنَّهَا سَتَصُومُ مَعَ جَوَارِيهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَدْخُلُ إِلَى مَحْضَرِ الْمَلِكِ، لِأَنَّهُ حَسَبَ قَوَانِينِ الْمَمْلَكَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعِيشُ فِيهَا أَسْتِيرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَانَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ، سَوَاءً كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، أَنْ يَدْخُلَ إِلَى مَحْضَرِ الْمَلِكِ بِدُونِ دَعْوَةٍ مِنَ الْمَلِكِ نَفْسِهِ، وَإِلَّا سَيُقْتَلُ.
لِذَلِكَ صَامَتْ أَسْتِيرُ وَجَوَارِيهَا، وَمَرْدُخَايُ مَعَ جَمِيعِ الْيَهُودِ فِي شُوشَنَ، لِكَيْ يَرْحَمَهَا الرَّبُّ عِنْدَ دُخُولِهَا إِلَى مَحْضَرِ الْمَلِكِ، لِكَيْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تُنَقِذَ شَعْبَهَا مِنْ هَامَانَ، دُونَ أَنْ يَأْمُرَ الْمَلِكُ بِقَتْلِهَا.
كَمَا هُوَ مُوضَحٌ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ. فَالْآيَتَانِ تَقُولَانِ: { ١٦ «اذْهَبِ اجْمَعْ جَمِيعَ الْيَهُودِ الْمَوْجُودِينَ فِي شُوشَنَ وَصُومُوا مِنْ جِهَتِي وَلاَ تَأْكُلُوا وَلاَ تَشْرَبُوا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لَيْلاً وَنَهَارًا. وَأَنَا أَيْضًا وَجَوَارِيَّ نَصُومُ كَذلِكَ. وَهكَذَا أَدْخُلُ إِلَى الْمَلِكِ خِلاَفَ السُّنَّةِ. فَإِذَا هَلَكْتُ، هَلَكْتُ». ١٧ فَانْصَرَفَ مُرْدَخَايُ وَعَمِلَ حَسَبَ كُلِّ مَا أَوْصَتْهُ بِهِ أَسْتِيرُ.} (سِفْرِ أَسْتِيرَ ٤: ١٦-١٧).
وَفِي سِفْرِ أَسْتِيرَ، وَفِي الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ، وَفِي الْآيَةِ الْأُولَى، نَرَى أَسْتِيرَ بِأَنَّهَا قَدْ دَخَلَتْ إِلَى مَحْضَرِ الْمَلِكِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَلَيْسَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، لِأَنَّهُ كَمَا ذَكَرْنَا سَابِقًا، كَانَ الْيَهُودُ يُحْتَسِبُونَ أَيَّ جُزْءٍ مِنَ
الْيَوْمِ وَكَأَنَّهُ يَوْمٌ كَامِلٌ، كَمَا هُوَ مُوضَحٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. فَالْآيَةُ تَقُولُ: {وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَبِسَتْ أَسْتِيرُ ثِيَابًا مَلَكِيَّةً وَوَقَفَتْ فِي دَارِ بَيْتِ الْمَلِكِ الدَّاخِلِيَّةِ مُقَابِلَ بَيْتِ الْمَلِكِ، وَالْمَلِكُ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيِّ مُلْكِهِ فِي بَيْتِ الْمُلْكِ مُقَابِلَ مَدْخَلِ الْبَيْتِ.} (سِفْرِ أَسْتِيرَ ٥: ١).
وَفِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ أَيْضًا نَرَى وَبِكُلِّ وُضُوحٍ بِأَنَّ الْيَهُودَ يُحْتَسِبُونَ أَيَّ جُزْءٍ مِنَ الْيَوْمِ وَكَأَنَّهُ يَوْمٌ كَامِلٌ، كَمَا هُوَ مُذْكُورٌ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ مَتَّى، وَفِي الْإِصْحَاحِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ، وَمِنْ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَالسِّتِّينَ وَلِغَايَةِ الْآيَةِ السَّادِسَةِ وَالسِّتِّينَ. فَالْآيَاتُ تَقُولُ: { ٦٢ وَفِي الْغَدِ الَّذِي بَعْدَ الاسْتِعْدَادِ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ إِلَى بِيلاَطُسَ ٦٣ قَائِلِينَ: «يَا سَيِّدُ، قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ. ٦٤ فَمُرْ بِضَبْطِ الْقَبْرِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، لِئَلاَّ يَأْتِيَ تَلاَمِيذُهُ لَيْلاً وَيَسْرِقُوهُ، وَيَقُولُوا لِلشَّعْبِ: إِنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، فَتَكُونَ الضَّلاَلَةُ الأَخِيرَةُ أَشَرَّ مِنَ الأُولَى!» ٦٥ فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اِذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ». ٦٦ فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِالْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ.} (الْإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ مَتَّى ٢٧: ٦٢-٦٦).
فَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ نَرَى بِأَنَّ رِجَالَ الدِّينِ الْيَهُودَ (رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ) قَدْ قَالُوا لِبِيلَاطِسَ بِأَنَّ الْمَسِيحَ لَـ(الـمَجْد)ـه قَدْ ذَكَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَنَّهُ سَيَقُومُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لِذَلِكَ قَدْ طَلَبُوا مِنْهُ بِأَنْ يَأْمُرَ بِضَبْطِ الْقَبْرِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَلَيْسَ إِلَى الْيَوْمِ الرَّابِعِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْيَهُودُ يُحْتَسِبُونَ الْوَقْتَ كَمَا نُحْتَسِبُهُ نَحْنُ، لَطَلَبُوا مِنْ بِيلَاطِسَ أَنْ يَأْمُرَ بِضَبْطِ الْقَبْرِ إِلَى الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَلَيْسَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ.
المصدر: كتاب عقائد وردود مسيحية مبنية على آيات كتابية.
************************************************