السُّؤَالُ: لِمَاذَا نَجِدُ اللهَ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ يَتَعَامَلُ مَعَ النَّاسِ الْأَشْرَارِ (الَّذِينَ يَسْتَمِرُّونَ فِي شَرِّهِمْ) بِصَرَامَةٍ؟ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ: نَجِدُ أَنَّ اللهَ قَدْ أَحْرَقَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ بِالْكِبْرِيتِ وَالنَّارِ، وَنَجِدُ أَيْضًا أَنَّ اللهَ قَدْ أَغْرَقَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ فِي زَمَنِ نُوحٍ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ الَّتِي حَدَثَتْ لِشُعُوبٍ آخَرِينَ؟
الْإِجَابَةُ: لِأَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يُخْبِرُنَا بِكُلِّ وُضُوحٍ، بِأَنَّ يَهْوَهْ (الْخَالِقَ) هُوَ إِلَهٌ مُحِبٌّ، فَيَتَعَامَلُ مَعَ الْبَشَرِ بِمَحَبَّتِهِ، وَأَيْضًا هُوَ إِلَهٌ عَادِلٌ، فَيَتَعَامَلُ مَعَهُمْ بِعَدْلِهِ.
فَيَهْوَهُ (الْخَالِقُ) يَتَعَامَلُ مَعَ النَّاسِ وَبِدُونِ اسْتِثْنَاءٍ بِالْمَحَبَّةِ، أَيْ يُعْطِي فُرْصَةً لِلْكُلِّ لِكَيْمَا يَتُوبُوا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى تَوْبَتِهِمْ الْغُفْرَانُ وَالْبَرَكَةُ، أَيْ إِنَّ يَهْوَهَ (الْخَالِقَ) يَغْفِرُ خَطَايَاهُمْ وَيُبَارِكُهُمْ، وَهَذَا مَا حَدَثَ مَعَ أَهْلِ نِينَوَى فِي زَمَنِ يُونَانَ النَّبِيِّ. فَعِنْدَمَا تَابُوا عَنْ خَطَايَاهُمْ، فَيَهْوَهُ (الْخَالِقُ) سَامَحَهُمْ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سِفْرِ يُونَانَ، وَفِي الْإِصْحَاحِ الثَّالِثِ، وَمِنْ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ وَلِغَايَةِ الْآيَةِ الْعَاشِرَةِ. فَالْآيَاتُ تَقُولُ: { ٤ فَابْتَدَأَ يُونَانُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَنَادَى وَقَالَ: «بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى». ٥ فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ وَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحًا مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ. ٦ وَبَلَغَ الأَمْرُ مَلِكَ نِينَوَى، فَقَامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَخَلَعَ رِدَاءَهُ عَنْهُ، وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَجَلَسَ عَلَى الرَّمَادِ. ٧ وَنُودِيَ وَقِيلَ فِي نِينَوَى عَنْ أَمْرِ الْمَلِكِ وَعُظَمَائِهِ قَائِلاً: «لاَ تَذُقِ النَّاسُ وَلاَ الْبَهَائِمُ وَلاَ الْبَقَرُ وَلاَ الْغَنَمُ شَيْئًا. لاَ تَرْعَ وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً. ٨ وَلْيَتَغَطَّ بِمُسُوحٍ النَّاسُ وَالْبَهَائِمُ، وَيَصْرُخُوا إِلَى اللهِ بِشِدَّةٍ، وَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ وَعَنِ الظُّلْمِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ، ٩ لَعَلَّ اللهَ يَعُودُ وَيَنْدَمُ وَيَرْجعُ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ فَلاَ نَهْلِكَ». ١٠ فَلَمَّا رَأَى اللهُ أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمِ الرَّدِيئَةِ، نَدِمَ اللهُ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَصْنَعْهُ.} ( سِفْرِ يُونَانَ ٣: ٤-١٠).
مُلاَحَظَةٌ: فَإِنَّ كَلِمَةَ نَدَمِ اللَّهِ لَا تَعْنِي أَنَّ يَهْوَهْ (الْخَالِقَ) قَدْ أَخْطَأَ وَقَدْ
نَدِمَ عَلَى خَطَأِهِ، بَلْ تَعْنِي بِأَنَّهُ لَمْ يُعَاقِبْهُمْ عَلَى شَرَهُمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ تَابُوا!
وَلَكِن مَعَ اَلْأَسَفِ اَلشَدِيدِ، يُوجَدُ أُنَاسٌ يَسْتَهينُونَ بِغِنَى لُطْفِ اللهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، وَيَرْفُضُونَ اَلتَوْبَةَ بِسَبَبِ تَكَبُّرِهِمْ وَكِبْرِيَائِهِمْ، فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَتُوبُوا، يَزْدَادُونَ بِفِعْلِ اَلشَرِّ.
وَعِنْدَمَا يَزْدَادُ الْأَشْرَارُ بِفِعْلِهِمْ لِلشَّرِّ, نَجِدُ يَهْوَهْ (الْخَالِقَ) يَتَعَامَلُ مَعَهُمْ بِاللُّغَةِ الَّتِي يَفْهَمُونَهَا, أَيْ لُغَةَ الْقُوَّةِ, وَلُغَةَ الضَّرَبَاتِ. لِأَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَشْرَارِ لَا يَفْهَمُونَ وَلَا يُحْتَرِمُونَ وَلَا يُقَدِّرُونَ لُغَةَ الْمَحَبَّةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ بِهَا يَهْوَهْ (الْخَالِقُ), بَلْ يَفْهَمُونَ لُغَةَ الْقُوَّةِ وَلُغَةَ الضَّرَبَاتِ (أَيْ لُغَةُ الْعَدْلِ وَالْحَقِّ), لِأَنَّ كَمَا ذَكَرْنَا سَابِقًا فَإِنَّ يَهْوَهْ (الْخَالِقَ) هُوَ إِلَهٌ مُحِبٌّ وَأَيْضًا إِلَهٌ عَادِلٌ (أَيْ أَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ) فَالْعَدْلُ وَالْحَقُّ يَقُولَانِ: إِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الْإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا, كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي رِسَالَةِ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلَاطِيَةَ، وَفِي الْإِصْحَاحِ السَّادِسِ، وَفِي الْآيَةِ السَّابِعَةِ. فَالْآيَةُ تَقُولُ: {لاَ تَضِلُّوا! اَللهُ لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا.} (رِسَالَةِ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلَاطِيَةَ ٦: ٧).
وَهَذَا مَا حَصَلَ مَعَ شَعْبِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ، وَمَعَ الْبَشَرِ فِي زَمَنِ نُوحٍ، وَمَعَ شُعُوبٍ أُخْرَى، وَأَيْضًا مَا قَدْ حَصَلَ مَعَ فِرْعَوْنَ بِالضَبْطِ، حَيْثُ أَرْسَلَ يَهْوَهْ (اَلْخَالِقُ) عَبْدَهُ وَنَبِيَّهُ مُوسَى إِلَيْهِ لِيُطْلِقَ شَعْبَهُ، وَلَكِنَّ قَسَاوَةَ قَلْبِ فِرْعَوْنَ وَتَكَبُّرِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَتَحَدِّيهِ لِيَهْوَهْ (اَلْخَالِقِ)، وَرَفْضِهِ لِلُغَةِ الْمَحَبَّةِ الَّتِي تَكَلَّمَ مَعَهُ بِهَا، أَدَّى إِلَى أَن تَكَلَّمَ يَهْوَهْ (اَلْخَالِقُ) مَعَهُ بِاللُغَةِ الَّتِي يَفْهَمُهَا، وَهِيَ لُغَةُ الْقُوَّةِ وَلُغَةُ الضَّرَبَاتِ (أَيْ لُغَةُ الْعَدْلِ وَالْحَقِّ) الَّتِي كَانَ يَسْتَحِقُهَا فِرْعَوْنُ وَكُلُّ أَتْبَاعِهِ. وَكَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ، وَفِي الْأَصْحَاحَاتِ مِنَ الثَّالِثِ إِلَى الرَّابِعَ عَشَرَ.
المصدر: كتاب عقائد وردود مسيحية مبنية على آيات كتابية.
************************************************
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق