السُّؤَالُ/ كَيْفَ يَقُولُ أَيُّوبُ بِأَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ مَرْفُوضًا أَوْ مَنْبُوذًا مِنْ قِبَلِ أَبْنَائِهِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سِفْرِ أَيُّوبَ، وَفِي الْإِصْحَاحِ التَّاسِعِ عَشَرَ، وَفِي الآيَةِ السَّابِعَةِ عَشْرَةَ. فَالآيَةُ تَقُولُ: {نَكْهَتِي مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ امْرَأَتِي، وَخَمْتُ عِنْدَ أَبْنَاءِ أَحْشَائِي.} (سِفْرِ أَيُّوبَ ١٩: ١٧). مَعَ أَنَّهُمْ مَاتُوا سَابِقًا فِي حَادِثَةٍ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سِفْرِ أَيُّوبَ، وَفِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ، وَفِي الآيَتَيْنِ الثَّامِنَةِ عَشْرَةَ وَالتَّاسِعَةِ عَشْرَةَ. فَالآيَتَانِ تَقُولَانِ: {١٨ وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الْأَكْبَرِ، ١٩ وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الْأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لِأُخْبِرَكَ».} (سِفْرِ أَيُّوبَ ١: ١٨-١٩)؟
الْإِجَابَةُ: لَا يُوجَدُ أَيُّ تَعَارُضٍ إِطْلَاقًا بَيْنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ سَابِقًا فِي السُّؤَالِ. فَأَيُّوبُ لَا يَتَحَدَّثُ عَنْ رَفْضٍ حَرْفِيٍّ مِنْ قِبَلِ أَبْنَائِهِ الْأَحْيَاءِ، بَلْ يَسْتَخْدِمُ تَعْبِيرًا مَجَازِيًّا لِيُعَبِّرَ عَنْ مَأْسَاتِهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَلِيَصِفَ شِدَّةَ الْعُزْلَةِ وَالرَّفْضِ الَّتِي يَشْعُرُ بِهَا.
فَقَوْلُهُ: {نَكْهَتِي مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ امْرَأَتِي} يَعْنِي أَنَّ رَائِحَتَهُ صَارَتْ كَرِيهَةً عِنْدَ زَوْجَتِهِ بِسَبِ مَرَضِهِ، فَصَارَتْ زَوْجَتُهُ تَنْفِرُ مِنْهُ.
وَأَمَّا الْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِهِ: {وَخَمَمْتُ عِنْدَ أَبْنَاءِ أَحْشَائِي} فَيَعْنِي: قَدْ أَصْبَحَ مَرْفُوضًا أَوْ مَنْبُوذًا مِنْ قِبَلِ أَبْنَائِهِ، أَيْ أَنَّ أَبْنَاءَهُ بِمَوْتِهِمْ قَدْ رَفَضُوهُ وَنَبَذُوهُ وَتَرَكُوهُ وَحِيدًا. فَهُوَ يَشْعُرُ كَأَنَّ حَتَّى أَبْنَاءَهُ، رَغْمَ مَوْتِهِمْ، قَدْ تَخَلَّوْا عَنْهُ، مِمَّا يَزِيدُ إِحْسَاسَهُ بِالْوَحْدَةِ وَالْأَلَمِ.
إِذًا، أَيُّوبُ يُعَبِّرُ عَنْ مَأْسَاتِهِ: زَوْجَتُهُ لَا تُطِيقُ قُرْبَهُ، وَأَبْنَاؤُهُ غَابُوا عَنْهُ بِالْمَوْتِ. فَهَذَا التَّعْبِيرُ تَعْبِيرٌ مَجَازِيٌّ يُبَيِّنُ عُمْقَ شُعُورِهِ بِالرَّفْضِ وَالْعُزْلَةِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ أَبْنَاءٍ أَحْيَاءٍ قَدْ رَفَضُوهُ فِعْلًا.
فَالْآيَةُ تَصِفُ لَنَا حَالَةَ أَيُّوبَ النَّفْسِيَّةَ، لَا وَاقِعَةً مَادِّيَّةً.
المصدر: كتاب عقائد وردود مسيحية مبنية على آيات كتابية.
************************************************
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق