السُّؤَالُ/ هَلْ يَوْجَدُ تَعَارُضٌ فِي سِفْرِ الأَمْثَالِ، وَفِي الإِصْحَاحِ السَّادِسِ وَالعِشْرِينَ، وَمَا بَيْنَ الآيَةِ الرَّابِعَةِ وَالآيَةِ الخَامِسَةِ؟ فَإِنَّ الآيَةَ الرَّابِعَةَ تَقُولُ: {٤ لَا تُجَاوِبِ الْجَاهِلَ حَسَبَ حَمَاقَتِهِ لِئَلَّا تَعْدِلَهُ أَنْتَ}، بَيْنَمَا الآيَةُ الخَامِسَةُ تَقُولُ: {٥ جَاوِبِ الْجَاهِلَ حَسَبَ حَمَاقَتِهِ لِئَلَّا يَكُونَ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ}. فَأَيُّ الأَمْرَيْنِ نَفْعَلُ: هَلْ نَمْتَنِعُ عَنِ الرَّدِّ عَلَى الجَاهِلِ عَمَلًا بِالآيَةِ الرَّابِعَةِ، أَمْ نَرُدُّ عَلَيْهِ عَمَلًا بِالآيَةِ الخَامِسَةِ؟
الإِجَابَةُ: الآيَتَانِ المَذْكُورَتَانِ فِي سِفْرِ الأَمْثَالِ، وَفِي الإِصْحَاحِ السَّادِسِ وَالعِشْرِينَ، وَفِي الآيَتَيْنِ الرَّابِعَةِ وَالخَامِسَةِ، قَدْ تَبْدُوَانِ مُتَنَاقِضَتَيْنِ لِلوَهْلَةِ الأُولَى عِنْدَ قِرَاءَتِهِمَا، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ أَيُّ تَنَاقُضٍ بَيْنَهُمَا؛ بَلِ المَقْصُودُ مِنَ الآيَتَيْنِ هُوَ حِكْمَةٌ عَمَلِيَّةٌ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الجَاهِلِ حَسَبَ المَوْقِفِ. فَفِي حِوَارِنَا مَعَ الجَاهِلِ - أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي لَا يَفْقَهُ شَيْئًا - يَقَعُ فِي حَمَاقَتَيْنِ: الأُولَى هِيَ حَمَاقَةُ الأُسْلُوبِ، وَالثَّانِيَةُ هِيَ حَمَاقَةُ التَّعْلِيمِ. فَالآيَةُ الرَّابِعَةُ الَّتِي تَقُولُ: {لَا تُجَاوِبِ الجَاهِلَ حَسَبَ حَمَاقَتِهِ لِئَلَّا تَعْدِلَهُ أَنْتَ} تَتَحَدَّثُ عَنْ حَمَاقَةِ الأُسْلُوبِ، حَيْثُ يَقُومُ الجَاهِلُ بِالسَّبِّ، وَالشَّتْمِ، وَالقَذْفِ، وَالتَّهْدِيدِ، وَالوَعِيدِ، وَالصُّرَاخِ؛ لِكَيْ يُخِيفَ وَيُرْبِكَ مُحَاوِرَهُ، وَلِكَيْ يُثْبِتَ لِلآخَرِينَ وَلِمُحَاوِرِهِ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ. لِذَلِكَ يُحَذِّرُنَا الوَحْيُ الإِلَهِيُّ (الرُّوحُ القُدُسُ) لَـ(الـمَجْدِ)ـهِ مِنْ أَنْ نَنْزِلَ إِلَى مُسْتَوَاهُ المُتَدَنِّي، وَنَرُدَّ عَلَيْهِ بِنَفْسِ أُسْلُوبِهِ وَحَمَاقَتِهِ؛ لِأَنَّنَا لَوْ فَعَلْنَا ذَلِكَ صِرْنَا مِثْلَهُ، فَنَفْقِدُ وَقَارَنَا وَحِكْمَتَنَا، وَنَتَسَاوَى مَعَهُ. أَمَّا الآيَةُ الخَامِسَةُ الَّتِي تَقُولُ: {جَاوِبِ الجَاهِلَ حَسَبَ حَمَاقَتِهِ لِئَلَّا يَكُونَ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ} فَتَحَدَّثُ عَنْ حَمَاقَةِ التَّعْلِيمِ، حَيْثُ يُقَدِّمُ الجَاهِلُ مَعْلُومَاتٍ وَتَعَالِيمَ خَاطِئَةً غَيْرَ مَبْنِيَّةٍ عَلَى مَشِيئَةِ الخَالِقِ (يَهْوَه) لَـ(الـمَجْدِ)ـهِ المُعْلَنَةِ لَنَا فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ عَلَى أَنَّهَا حَقَائِقُ كِتَابِيَّةٌ، أَيْ تَعَالِيمُ إِلَهِيَّةٌ. فَلِذَلِكَ يَأْمُرُنَا الوَحْيُ الإِلَهِيُّ (الرُّوحُ القُدُسُ) لَـ(الـمَجْدِ)ـهِ أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ لِنُبَيِّنَ خَطَأَهُ وَحَمَاقَتَهُ لَهُ وَلِلآخَرِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَهُ، حَتَّى لَا يَغْتَرَّ بِنَفْسِهِ وَيَظُنَّ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ، وَحَتَّى لَا يُعْثِرَ الآخَرِينَ وَيَكُونَ سَبًا فِي هَلَاكِهِمِ الأَبَدِيِّ؛ لِأَنَّنَا إِنْ سَكَتْنَا عَنْهُ سَيَظُنُّ هُوَ وَكُلُّ شَخْصٍ يَسْمَعُهُ أَنَّ سُكُوتَنَا عَجْزٌ أَوْ مُوَافَقَةٌ، فَيَتَمَادَى فِي غُرُورِهِ. فَالخُلَاصَةُ أَنَّ الهَدَفَ مِنْ كِلْتَا الآيَتَيْنِ هُوَ التَّمْيِيزُ وَالفَصْلُ بَيْنَ الحَمَاقَتَيْنِ: حَمَاقَةِ الأُسْلُوبِ وَحَمَاقَةِ التَّعْلِيمِ. فَفِي حَمَاقَةِ الأُسْلُوبِ، أَيْ أَنْ لَا نَنْزِلَ إِلَى مُسْتَوَاهُ، أَيْ أَنْ لَا نُجِيبَهُ بِنَفْسِ أُسْلُوبِهِ الأَخْلَاقِيِّ المُنْحَطِّ. وَأَمَّا فِي حَمَاقَةِ التَّعْلِيمِ فَيَجِبُ أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ بِحِكْمَةٍ لِكَيْ لَا يَغْتَرَّ بِنَفْسِهِ وَيُضِلَّ الآخَرِينَ مِنْ حَوْلِهِ.
المصدر: كتاب عقائد وردود مسيحية مبنية على آيات كتابية.
************************************************
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق