السُّؤَالُ/ مَا هِيَ الْمُعْجِزَةُ حَسَبَ الْمَفْهُومِ الْمَسِيحِيِّ (مَفْهُومِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ)؟
الإجَابَةُ: الْمُعْجِزَةُ هِيَ شَيْءٌ أَوْ حَدَثٌ خَارِقٌ لِلطَّبِيعَةِ، فَالْمُعْجِزَةُ لَيْسَتْ ضِدَّ الْعَقْلِ، بَلْ هِيَ أَسْمَى مِنْهُ. وَقَدْ سُمِّيَتِ الْمُعْجِزَةُ بِهَذَا الْاسْمِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَعْجِزُ عَنْ صَنْعِهَا بِذَاتِهِ، بَلْ تَحْدُثُ بِقُوَّةِ الْخَالِقِ (يَهْوَه) لَـ(الـمَجْد)ـه. فَإِنَّ يَهْوَه (الْخَالِقَ) لَـ(الـمَجْد)ـه قَدْ وَضَعَ قَوَانِينَ لِلطَّبِيعَةِ، بِمَعْنَى وَضَعَ حَدًّا لِكُلِّ شَيْءٍ، فَأَحْيَانًا بِحَسَبِ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ يَتَدَخَّلُ وَيُؤَثِّرُ فِي هَذِهِ الْقَوَانِينِ الَّتِي وَضَعَهَا هُوَ، فَتَحْدُثُ مُعْجِزَةٌ، فيَرَاهَا وَيُدْرِكُهَا الذَّكِيُّ وَالْغَبِيُّ، وَالْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، وَالْمُتَعَلِّمُ وَغَيْرُ الْمُتَعَلِّمِ، وَالْمُؤْمِنُ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِ. لِكَيْ يُكَلِّمَهُمْ وَيُؤَثِّرَ عَلَيْهِمْ وَيُغَيِّرَ حَيَاتِهِمْ مِنْ خِلَالِهَا.
وَهَدَفُ يَهْوَه الْخَالِقِ لَـ(الـمَجْد)ـه مِنْ عَمَلِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْقُوَّاتِ عَلَى يَدِ أَتْبَاعِهِ، كَالْأَنْبِيَاءِ أَوِ الرُّسُلِ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، هُوَ تَأْكِيدُ صِدْقِ رِسَالَتِهِمْ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي رِسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ، وَفِي الْإِصْحَاحِ الثَّانِي، وَفِي الْآيَةِ الرَّابِعَةِ. فَالْآيَةُ تَقُولُ: { ٤ شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ.} (رِسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ ٢: ٤).
وَأَيْضًا لِإِعْلَانِ سُلْطَانِهِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سِفْرِ دَانِيَالَ، وَفِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ، وَمِنْ الْآيَةِ الْأُولَى وَلَغَايَةِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ. فَالْآيَاتُ تَقُولُ {١ مِنْ نَبُوخَذْنَصَّرَ الْمَلِكِ إِلَى كُلِّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ السَّاكِنِينَ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا: لِيَكْثُرْ سَلاَمُكُمْ. ٢ اَلآيَاتُ وَالْعَجَائِبُ الَّتِي صَنَعَهَا مَعِي اللهُ الْعَلِيُّ، حَسُنَ عِنْدِي أَنْ أُخْبِرَ بِهَا. ٣ آيَاتُهُ مَا أَعْظَمَهَا، وَعَجَائِبُهُ مَا أَقْوَاهَا! مَلَكُوتُهُ مَلَكُوتٌ أَبَدِيٌّ وَسُلْطَانُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ.} (سِفْرِ دَانِيَالَ ٤: ١-٣).
وَأَيْضًا، لِأَنَّهُ حَنَّانٌ، فَيَرْحَمُ الْبَشَرَ مِنْ خِلَالِ عَجَائِبِهِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ، وَفِي الْمَزْمُورِ الْمِائَةِ وَالْحَادِي عَشَرَ، وَفِي الْآيَةِ الرَّابِعَةِ. فَالْآيَةُ تَقُولُ: {صَنَعَ ذِكْرًا لِعَجَائِبِهِ. حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ هُوَ الرَّبُّ} (سِفْرِ الْمَزَامِيرِ ١١١: ٤).
وَمِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي تَثْبُتُ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ هِيَ مُعْجِزَةٌ حَقِيقِيَّةٌ مِنْ يَهْوَه (الْخَالِقِ) لَـ(الـمَجْد)ـه، مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنْ تَحْدُثَ الْمُعْجِزَةُ أَمَامَ النَّاسِ، لَا أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدٌ أَنَّهُ صَنَعَهَا دُونَ أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ.
ثَانِيًا: أَنْ تَكُونَ لِفَائِدَةِ شَخْصٍ أَوْ مَجْمُوعَةٍ، مِثْلُ مُعْجِزَةِ إقَامَةِ لِعَازَرِ مِنْ الْمَوْتِ، الَّتِي صَنَعَهَا الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ لَـ(الـمَجْد)ـه، كَما هُوَ مَذْكُورٌ فِي الإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ يُوحَنَّا، وَفِي الإِصْحَاحِ الْحَادِي عَشَرَ، وَمِنْ الآيَةِ الثَّامِنَةِ وَالثَّلَاثِينَ وَلَغَايَةِ الآيَةِ الرَّابِعَةِ وَالأَرْبَعِينَ. فَالآيَاتُ تَقُولُ: {٣٨ فَانْزَعَجَ يَسُوعُ أَيْضًا فِي نَفْسِهِ وَجَاءَ إِلَى الْقَبْرِ، وَكَانَ مَغَارَةً وَقَدْ وُضِعَ عَلَيْهِ حَجَرٌ. ٣٩ قَالَ يَسُوعُ: «ارْفَعُوا الْحَجَرَ!». قَالَتْ لَهُ مَرْثَا، أُخْتُ الْمَيْتِ: «يَاسَيِّدُ، قَدْ أَنْتَنَ لأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ». ٤٠ قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَلَمْ أَقُلْ لَكِ: إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللهِ؟». ٤١ فَرَفَعُوا الْحَجَرَ حَيْثُ كَانَ الْمَيْتُ مَوْضُوعًا، وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَقَالَ: «أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي، ٤٢ وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ، لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي». ٤٣ وَلَمَّا قَالَ هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!» ٤٤ فَخَرَجَ الْمَيْتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلاَهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ، وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيل. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ».} (الإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ يُوحَنَّا ١١: ٣٨-٤٤).
أَوْ كَمَا حَدَثَ حِينَ شَقَّ الرَّبُّ الْبَحْرَ وَخَلَّصَ شَعْبَهُ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ عَلَى يَدِ مُوسَى، كَما هُوَ مَذْكُورٌ فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ، وَفِي الإِصْحَاحِ الرَّابِعِ عَشَرَ، وَمِنْ الآيَةِ الْوَاحِدَةِ وَالْعِشْرِينَ وَلَغَايَةِ الآيَةِ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِينَ. فَالآيَاتُ تَقُولُ: {٢١ وَمَدَّ مُوسَى يَدَهُ عَلَى الْبَحْرِ، فَأَجْرَى الرَّبُّ الْبَحْرَ بِرِيحٍ شَرْقِيَّةٍ شَدِيدَةٍ كُلَّ اللَّيْلِ، وَجَعَلَ الْبَحْرَ يَابِسَةً وَانْشَقَّ الْمَاءُ. ٢٢ فَدَخَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ عَلَى الْيَابِسَةِ، وَالْمَاءُ سُورٌ لَهُمْ عَنْ يَمِينِهِمْ وَعَنْ يَسَارِهِمْ. ٢٣ وَتَبِعَهُمُ الْمِصْرِيُّونَ وَدَخَلُوا وَرَاءَهُمْ. جَمِيعُ خَيْلِ فِرْعَوْنَ وَمَرْكَبَاتِهِ وَفُرْسَانِهِ إِلَى وَسَطِ الْبَحْرِ. ٢٤ وَكَانَ فِي هَزِيعِ الصُّبْحِ أَنَّ الرَّبَّ أَشْرَفَ عَلَى عَسْكَرِ الْمِصْرِيِّينَ فِي عَمُودِ النَّارِ وَالسَّحَابِ، وَأَزْعَجَ عَسْكَرَ الْمِصْرِيِّينَ، ٢٥ وَخَلَعَ بَكَرَ مَرْكَبَاتِهِمْ حَتَّى سَاقُوهَا بِثَقْلَةٍ. فَقَالَ الْمِصْرِيُّونَ: «نَهْرُبُ مِنْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّ الرَّبَّ يُقَاتِلُ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُمْ». ٢٦ فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «مُدَّ يَدَكَ عَلَى الْبَحْرِ لِيَرْجعَ الْمَاءُ عَلَى الْمِصْرِيِّينَ، عَلَى مَرْكَبَاتِهِمْ وَفُرْسَانِهِمْ». ٢٧ فَمَدَّ مُوسَى يَدَهُ عَلَى الْبَحْرِ فَرَجَعَ الْبَحْرُ عِنْدَ إِقْبَالِ الصُّبْحِ إِلَى حَالِهِ الدَّائِمَةِ، وَالْمِصْرِيُّونَ هَارِبُونَ إِلَى لِقَائِهِ. فَدَفَعَ الرَّبُّ الْمِصْرِيِّينَ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ. ٢٨ فَرَجَعَ الْمَاءُ وَغَطَّى مَرْكَبَاتِ وَفُرْسَانَ جَمِيعِ جَيْشِ فِرْعَوْنَ الَّذِي دَخَلَ وَرَاءَهُمْ فِي الْبَحْرِ. لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ وَلاَ وَاحِدٌ. ٢٩ وَأَمَّا بَنُو إِسْرَائِيلَ فَمَشَوْا عَلَى الْيَابِسَةِ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ، وَالْمَاءُ سُورٌ لَهُمْ عَنْ يَمِينِهِمْ وَعَنْ يَسَارِهِمْ. ٣٠ فَخَلَّصَ الرَّبُّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ إِسْرَائِيلَ مِنْ يَدِ الْمِصْرِيِّينَ. وَنَظَرَ إِسْرَائِيلُ الْمِصْرِيِّينَ أَمْوَاتًا عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ. ٣١ وَرَأَى إِسْرَائِيلُ الْفِعْلَ الْعَظِيمَ الَّذِي صَنَعَهُ الرَّبُّ بِالْمِصْرِيِّينَ، فَخَافَ الشَّعْبُ الرَّبَّ وَآمَنُوا بِالرَّبِّ وَبِعَبْدِهِ مُوسَى.} (سِفْرِ الْخُرُوجِ ١٤: ٢١-٣١).
ثَالِثًا: الْمُعْجِزَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لِمَجْدِ يَهْوَه (الْخَالِقِ) لَـ(الـمَجْد)ـه وَحْدَهُ، لَا لِغَيْرِهِ. تُعِيدُ الْفَضْلَ إِلَيْهِ وَحْدَهُ. الْمُعْجِزَةُ الْحَقِيقِيَّةُ تُشِيرُ إِلَى يَهْوَه (الْخَالِقِ) لَـ(الـمَجْد)ـه فَقَطْ، لَا إِلَى أَحَدٍ آخَرَ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رِجَالِ الدِّينِ، أَنْبِيَاءَ، أَتْقِيَاءَ، رُسُلًا، قِدِّيسِيِّينَ، مَلَائِكَةً، أَوْ رُؤَسَاءَ مَلَائِكَةٍ.
رَابِعًا: الْمُعْجِزَةُ الْحَقِيقِيَّةُ تَجْلِبُ النَّاسَ إِلَى يَهْوَه (الْخَالِقِ) لَـ(الـمَجْد)ـه، وَلَا تُوجِهُهُمْ إِلَى غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ إِلَهًا آخَرَ، شَخْصًا، أَوْ شَيْئًا آخَرَ.
فَإِنْ لَمْ تَتَوَفَّرْ كُلُّ هَذِهِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا سَابِقًا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّهَا لَيْسَتْ مُعْجِزَةً مِنْ يَهْوَه الْخَالِقِ لَـ(الـمَجْد)ـه.
وَفِي النِّهَايَةِ نَقُولُ بِأَنَّ مُعْجِزَةَ الْمُعْجِزَاتِ حَسَبَ الْمَفْهُومِ الْمَسِيحِيِّ، مَفْهُومِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، هِيَ مُعْجِزَةُ الْخَلَاصِ، أَيْ خَلَاصُ الْإِنْسَانِ مِنْ الْهَلَاكِ الْأَبَدِيِّ، أَيْ مُعْجِزَةُ الْوِلَادَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الْوِلَادَةِ مِنْ فَوْقِ، لِأَنَّ نَتِيجَتَهَا هَذِهِ تَسْتَمِرُّ إِلَى الْأَبَدِ. كَما هُوَ مَذْكُورٌ فِي رِسَالَةِ بَطْرُسَ الرَّسُولِ الأُولَى، وَفِي الإِصْحَاحِ الأَوَّلِ، وَفِي الآيَةِ الثَّالِثَةِ. فَالآيَةُ تَقُولُ: { مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ} (رِسَالَةِ بَطْرُسَ الرَّسُولِ الأُولَى ١: ٣).
وَكَما هُوَ مَذْكُورٌ أَيْضًا فِي الإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ يُوحَنَّا، وَفِي الإِصْحَاحِ الثَّالِثِ، وَفِي الآيَةِ الثَّالِثَةِ. فَالآيَةُ تَقُولُ: {أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ»} (الإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ يُوحَنَّا ٣: ٣).
المصدر: كتاب عقائد وردود مسيحية مبنية على آيات كتابية.
************************************************
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق