السُّؤَالُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ نَلْقَبَ الْقِدِّيسَةَ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ بِمَلِكَةِ السَّمَاءِ؟
الْإِجَابَةُ: كَلَّا، لَا يَجُوزُ إِطْلَاقًا؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّقَبَ (مَلِكَةِ السَّمَاءِ، أَوْ مَلِكَةِ السَّمَاوَاتِ) هُوَ لَقَبٌ لِإِحْدَى الْآلِهَةِ الْوَثَنِيَّةِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَهِيَ عَشْتَارُ.
وَلَقَدْ ذُكِرَ لَقَبُ مَلِكَةِ السَّمَاوَاتِ لِلْإِلَهِةِ الْوَثَنِيَّةِ (عَشْتَارُ) فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ مِرَاتٍ عَدِيدَةً، حَيْثُ كَانَ أَتْبَاعُهَا يُبَخِّرُونَ لَهَا (أَيْ يُشْعِلُونَ الْبَخُورَ لَهَا) وَيَسْكُبُونَ السَّكَائِبَ لَهَا (أَيْ يَسْكُبُونَ الْخَمْرَ وَالْعُطُورَ عَلَى مَذَابِحِهَا)، وَيَصْنَعُونَ الْكَعْكَ لَهَا، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سِفْرِ إِرْمِيَا النَّبِيِّ، وَفِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ وَالْأَرْبَعِينَ، وَمِنْ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ وَلَغَايَةِ الْآيَةِ التَّاسِعَةِ عَشْرَةَ. فَالْآيَاتُ تَقُولُ: { ١٥ فَأَجَابَ إِرْمِيَا كُلُّ الرِّجَالِ الَّذِينَ عَرَفُوا أَنَّ نِسَاءَهُمْ يُبَخِّرْنَ لآلِهَةٍ أُخْرَى، وَكُلُّ النِّسَاءِ الْوَاقِفَاتِ، مَحْفَلٌ كَبِيرٌ، وَكُلُّ الشَّعْبِ السَّاكِنِ فِي أَرْضِ مِصْرَ فِي فَتْرُوسَ قَائِلِينَ: ١٦ «إِنَّنَا لاَ نَسْمَعُ لَكَ الْكَلِمَةَ الَّتِي كَلَّمْتَنَا بِهَا بِاسْمِ الرَّبِّ، ١٧ بَلْ سَنَعْمَلُ كُلَّ أَمْرٍ خَرَجَ مِنْ فَمِنَا، فَنُبَخِّرُ لِمَلِكَةِ السَّمَاوَاتِ، وَنَسْكُبُ لَهَا سَكَائِبَ. كَمَا فَعَلْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا وَمُلُوكُنَا وَرُؤَسَاؤُنَا فِي أَرْضِ يَهُوذَا وَفِي شَوَارِعِ أُورُشَلِيمَ، فَشَبِعْنَا خُبْزًا وَكُنَّا بِخَيْرٍ وَلَمْ نَرَ شَرًّا. ١٨ وَلكِنْ مِنْ حِينَ كَفَفْنَا عَنِ التَّبْخِيرِ لِمَلِكَةِ السَّمَاوَاتِ وَسَكْبِ سَكَائِبَ لَهَا، احْتَجْنَا إِلَى كُلٍّ، وَفَنِينَا بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ. ١٩ وَإِذْ كُنَّا نُبَخِّرُ لِمَلِكَةِ السَّمَاوَاتِ وَنَسْكُبُ لَهَا سَكَائِبَ، فَهَلْ بِدُونِ رِجَالِنَا كُنَّا نَصْنَعُ لَهَا كَعْكًا لِنَعْبُدَهَا وَنَسْكُبُ لَهَا السَّكَائِبَ؟».} (سِفْرِ إِرْمِيَا ٤٤: ١٥-١٩).
وَكَمَا هُوَ مَذْكُورٌ أَيْضًا فِي سِفْرِ أَرْمِيَا، وَفِي الْإِصْحَاحِ السَّابِعِ. وَمِنْ الْآيَةِ السَّادِسَةِ عَشْرَةَ وَلِغَايَةِ الْآيَةِ التَّاسِعَةِ عَشْرَةَ. فَالْآيَاتُ تَقُولُ: {١٦ وَأَنْتَ فَلاَ تُصَلِّ لأَجْلِ هذَا الشَّعْبِ وَلاَ تَرْفَعْ لأَجْلِهِمْ دُعَاءً وَلاَ صَلاَةً، وَلاَ تُلِحَّ عَلَيَّ لأَنِّي لاَ أَسْمَعُك. ١٧ «أَمَا تَرَى مَاذَا يَعْمَلُونَ فِي مُدُنِ يَهُوذَا وَفِي شَوَارِعِ أُورُشَلِيمَ؟ ١٨ الأَبْنَاءُ يَلْتَقِطُونَ حَطَبًا، وَالآبَاءُ يُوقِدُونَ النَّارَ، وَالنِّسَاءُ يَعْجِنَّ الْعَجِينَ، لِيَصْنَعْنَ كَعْكًا لِمَلِكَةِ السَّمَاوَاتِ، وَلِسَكْبِ سَكَائِبَ لآلِهَةٍ أُخْرَى لِكَيْ يُغِيظُونِي. ١٩ أَفَإِيَّايَ يُغِيظُونَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ أَلَيْسَ أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ خِزْيِ وُجُوهِهِمْ؟} (سِفْرِ أَرْمِيَا ٧: ١٦-١٩).
وَلَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُ الْيُونَانِيُّ الْقَدِيمُ الْمُسَمَّى هِيرُودُوتَ، وَالْمُلَقَّبُ بِأَبِي التَّارِيخِ، فِي كِتَابِهِ (تَارِيخُ هِيرُودُوتَ)، وَتَحْدِيدًا فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْفَصْلِ ١٩٩، بِأَنَّ مَلِكَةَ السَّمَاوَاتِ هَذِهِ (الْإِلَهِةَ عَشْتَارَ) كَانَتْ إِلهَةً لِلشَّهْوَةِ وَالْجِنْسِ وَالدِعَارَةِ عِنْدَ أَتْبَاعِهَا، حَيْثُ كَانَ أَتْبَاعُهَا يِمَارِسُونَ الْجِنْسَ الْجَمَاعِيَّ، وَالسُّكْرَ، وَالْخَلَاعَةَ فِي مَعَابِدِهَا وَخَارِجَ مَعَابِدِهَا أَيْضًا، وَكَانَتْ هَذِهِ الْمُمَارَسَاتُ تُقَدَّمُ مِنْهُمْ كَتَقْدِمَةٍ أَوْ قُرْبَانٍ لَهَا، وَكَانَتْ تُسَمَّى بِالدِعَارَةِ الْمُقَدَّسَةِ.
وَلَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُ الإسْكُتْلَنْدِيّ أَيْضًا، الْمُتَخَصِّصُ فِي عِلْمِ الإِنْسَانِ وَالْأَسَاطِيرِ، جِيمْسُ فْرِيزَرْ، فِي كِتَابِهِ "الْغُصْنُ الذَّهَبِيّ" (The Golden Bough)، وَفِي الْجُزْءِ الثَّانِي، وَفِي الْفَصْلِ ٣١ وَفِي الصَّفْحَتَيْنِ ١٥٧ و ١٥٨، أَنَّ النِّسَاءَ فِي بَابِلْ كُنَّ يَمَارِسْنَ الْجِنْسَ مَعَ الرِّجَالِ فِي مَعْبَدِ بَيْلِ عِشْتَارِ (أَيْ: مَعْبَدِ السَّيِّدَةِ عِشْتَارِ) كَجُزْءٍ مِنْ الطُّقُوسِ الدِّينِيَّةِ.
فَاحْتِرَامًا وَتَقْدِيرًا لِلْقِدِّيسَةِ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، لَا يَجُوزُ أَنْ نُلَقِّبَهَا بِهَذَا اللَّقَبِ الْمُشِينِ.
فَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ لَمْ يُلَقِّبْهَا بِهَذَا اللَّقَبِ، وَلَا هِيَ لَقَّبَتْ نَفْسَهَا بِهِ. بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، نَجِدُ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يُطْلِقُ عَلَيْهَا لَقَبَ "أُمِّ يَسُوعَ" لَـ(الـمَجْد)ـه كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ يُوحَنَّا، وَفِي الْإِصْحَاحِ الثَّانِي، وَفِي الْآيَةِ الْأُولَى. فَالْآيَةُ تَقُولُ: {وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَانَ عُرْسٌ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَكَانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُنَاكَ.} (الْإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ يُوحَنَّا ٢: ١).
وَأَيْضًا مَذْكُورٌ هَذَا اللَّقَبُ لِلْقِدِّيسَةِ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ يُوحَنَّا، وَفِي الْإِصْحَاحِ الثَّانِي، وَفِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ. فَالْآيَةُ تَقُولُ: {وَلَمَّا فَرَغَتِ الْخَمْرُ، قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ: «لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ».} (الْإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ يُوحَنَّا ٢: ٣).
وَأَيْضًا قَدْ ذُكِرَ هَذَا اللَّقَبُ لِلْقِدِّيسَةِ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ فِي سِفْرِ أَعْمَالِ الرُّسُلِ، وَفِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْآيَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ. فَالْآيَةُ تَقُولُ: {هؤُلاَءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلاَةِ وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ} (سِفْرِ أَعْمَالِ الرُّسُلِ ١: ١٤).
وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ قَالَتْ عَنْ نَفْسِهَا: إِنَّهَا أَمَةُ الرَّبِّ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ لُوقَا، وَفِي الْإِصِْحَاحِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْآيَةِ الثَّامِنَةِ وَالثَّلَاثِينَ. فَالْآيَةُ تَقُولُ: {فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ». فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلاَكُ.} (الْإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ لُوقَا ١: ٣٨).
وَلَقَدْ قَالَتْ أَيْضًا: "لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ"، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ لُوقَا أَيْضًا، وَفِي نَفْسِ الْإِصْحَاحِ، وَفِي الْآيَةِ الثَّامِنَةِ وَالْأَرْبَعِينَ. فَالْآيَةُ تَقُولُ: {لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي} (الْإِنْجِيلِ الَّذِي دَوَّنَهُ لُوقَا ١: ٤٨).
فَهَاتَانِ الْآيَتَانِ تُبَيِّنَانِ أَنَّهَا لَمْ تَصِفْ نَفْسَهَا بِأَنَّهَا مَلِكَةُ السَّمَاءِ أَوْ مَلِكَةُ السَّمَاوَاتِ، بَلْ وَصَفَتْ نَفْسَهَا بِأَنَّهَا أَمَةٌ لِلرَّبِّ، أَيْ إِنَّهَا مُتَعَبِّدَةٌ لِلرَّبِّ وَخَادِمَةٌ لَهُ.
فِي الْخِتَامِ، فَإِنَّ الْقِدِّيسَةَ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ لَمْ يُوَصِّفْهَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ بِمَلِكَةِ السَّمَاءِ أَوْ بِمَلِكَةِ السَّمَاوَاتِ، وَلَمْ تَصِفْ هِيَ نَفْسَهَا بِذَلِكَ، بَلْ وُصِفَتْ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ بِأَنَّهَا أُمُّ يَسُوعَ لَـ(الـمَجْد)ـه وَأَمَةُ الرَّبِّ فَقَطْ.
المصدر: كتاب عقائد وردود مسيحية مبنية على آيات كتابية.
************************************************
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق